❗الكاتب والمحلل السياسي يحيى دايخ❗ ❗️sadawilaya❗
إن استهداف المرجعيات الدينية مقامرة كبرى تشعل الإقليم وتفلت من أيدي أصحابها.
ليس في السياسة كلُّ تصعيدٍ قابلًا للاحتواء.
فهناك خطوط إذا جرى تجاوزها لا تعود لغة الضغط ولا حسابات الردع التقليدي كافية لضبط النتائج.
وفي مقدمة هذه الخطوط استهداف المرجعيات الدينية الكبرى، لأن المساس بها لا يُقرأ في الوعي الجمعي لملايين المؤمنين كخطوة عسكرية أو سياسية، بل كضربة للهوية والكرامة والعقيدة معًا.
وفي هذا السياق، فإن أي حديث عن وضع سماحة السيد الإمام القائد علي الحسيني الخامنئي دام ظله، في دائرة الاستهداف هو انتقال متعمد بالصراع من ميدان الجغرافيا والحدود إلى ميدان الرمزية الدينية العابرة للحدود.
هذه ليست مبالغة خطابية، بل حقيقة دينية عقائدية أثبتتها تجارب المنطقة والعالم:
فحين يدخل المقدّس في دائرة النار، تتراجع قدرة الدول على التحكم بإيقاع المواجهة، وتتحول الحسابات الباردة إلى اندفاعات شعبية واسعة، وتُستدعى الذاكرة التاريخية بكل ما تحمله من نزاعات وصراعات.
التاريخ شاهد: عندما يُضرب الرمز تنكسر القيود وتتحطم الجدران وتتفجر البراكين وتشتد الزلازل.
تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء عام 2006 لم يكن حادثًا أمنيًا معزولًا، بل نقطة انعطاف فجّرت العراق من الداخل وأطلقت موجة غضب ناري أعادت رسم توازناته لسنوات طويلة.
فما جرى آنذاك يختصر القاعدة الكبرى في الصراعات ذات الطابع الديني: الضربة الواحدة في موقع رمزي قد تفعل ما تعجز عنه حملات عسكرية كاملة.
وفي أمثلة أخرى عبر مناطق مختلفة من العالم، أدّت عمليات اغتيال أو اعتداءات طالت شخصيات دينية أو سياسية ذات بعد رمزي إلى انفجارات سياسية وأمنية خرجت سريعًا عن السيطرة، ووسّعت دائرة النزاع بدل أن تحسمه.
هذه الوقائع لا تُستحضر للتذكير بالماضي فقط، بل للتنبيه ولتحذير من مسارٍ معروف العواقب لمن يريد أن يختبره مجددًا.
من نزاع جيوسياسي إلى مواجهة عقائدية مفتوحة
الخطر الحقيقي في استهداف مرجعية دينية كبرى لا يكمن في طبيعة الرد الأولي، بل في إعادة تعريف الصراع ذاته.
فبدل أن يبقى صراعًا بين دول أو محاور إقليمية، قد يتحول إلى مواجهة يُنظر إليها على أنها اعتداء على الدين والهوية، ما يفتح أبواب التعبئة العابرة للحدود، ويُدخل أطرافًا جديدة لم تكن في حسابات اليوم الأول.
الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي يدركان، هذه الحقيقة وهذا ما يسعيان اليه في المنطقة، فالولايات المتحدة والكيان الصهيوني يعملان على أن يكون الشرق الأوسط عبارة عن مجموعة كيانات عرقية دينية طائفية متنازعة ومتناحرة ليسهل السيطرة عليها ونهب خيراتها.
من هنا واجب التحذير والتنبيه للمتشدقين "السياديين" من المتماهين مع السياسات الأمريكية والصهيونية في الداخل والإدارة الأميركية والكيان الصهيوني من تجاهل هذا العامل لأنه بالتأكيد ليس خطأً تكتيكيًا، بل مخاطرة استراتيجية كبرى.
فالقوة الصلبة، مهما بلغت، تصطدم بسقوف قاسية حين تُستفز الهويات الدينية.
ما يزيد هذا المسار خطورة أن العالم يعيش أصلًا على وقع أزمات متشابكة: صراعات مفتوحة، توترات في طرق الملاحة الدولية، استقطاب حاد بين القوى الكبرى، واقتصادات هشّة.
وفي مثل هذا المناخ، فإن استهداف رمز ديني جامع لا يكون شرارة محلية، بل قد يتحول إلى حلقة تفجير تربط بين ساحات متعددة، وتدفع المنطقة والعالم نحو موجة اضطراب أوسع وأعمق.
فالتلويح بهذا النوع من التصعيد أو وضعه ضمن الخيارات مغامرة بأمن دول بأكملها، لا بملف سياسي واحد. فالتاريخ مليء بأمثلة قوى اعتقدت أنها تستطيع التحكم بدرجة النار، فاكتشفت بعد فوات الأوان أن الحريق خرج عن نطاق السيطرة وطالها هي ومن يسير بركبها.
الخلاصة:
هذا تحذير لا لبس فيه
استهداف المرجعيات الدينية الكبرى من العراق وايران ليس ورقة ضغط، بل خط كسر استراتيجي.
إنه ينقل الصراع إلى مستوى أخطر، يضرب فرص الاحتواء الدبلوماسي، ويضاعف احتمالات الانفجار الإقليمي، ويعيد تشكيل النزاعات على أساس عقائدي لا يمكن ضبطه بسهولة.
هذه لغة تهديد، ولغة تحذير مبني على سوابق دامغة ومنطق سياسي واضح: من يفتح هذا الباب قد لا يكون قادرًا على إغلاقه وسيبتلعه، ومن يشعل نار الرموز الدينية قد يجد نفسه أمام عاصفة تقلعه، عاصفة تتجاوز كل الحسابات التي بُنيت على الطاولة.
نعم، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مع سماحة الإمام السيد القائد الخامنئي، نعم، مع سماحة الإمام السيد السستاني، وكل مراجعنا حتى آخر قطرة دم.